الآلوسي

112

تفسير الآلوسي

وأما إدغام الأقوى في الأضعف فلا يحسن ، وإذا جاء شيء من ذلك في القرآن بنقل الثقات وجب قبوله وإن كان غيره أفصح وأقيس . وقوله تعالى : * ( إِنْ هَاذَا إِلاَّ خُلُقُ الاَْوَّلِينَ ) * * ( إنْ هَاذَا إلاَّ خُلُقُ الأَوَّلينَ ) * تعليل لما أدعوه من المساواة أي ما هذا الذي جئتنا به الإعادة الأولين يلفقون مثله ويدعون إليه أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة قديمة لم يزل الناس عليها أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا عادة الأولين الذين تقدمونا من الآباء وغيرهم ونحن بهم مقتدون ، وقرأ أبو قلابة . والأصمعي عن نافع * ( خلق ) * بضم الخاء وسكون اللام ، والمعنى عليه كما تقدم . وقرأ عبد الله . وعلقمة . والحسن . وأبو جعفر . وأبو عمرو . وابن كثير . والكسائي * ( خلق ) * بفتح الخاء وسكون اللام أي ما هذا إلا اختلاق الأولين وكذبهم ، ويؤيد هذا المعنى ما روى علقمة عن عبد الله أنه قرأ * ( إلا اختلاق الأولين ) * ويكون هذا كقول سائر الكفرة * ( أساطير الأولين ) * أو ما خلقنا هذا إلا خلق الأولين نحيي كما حيوا ونموت كما ماتوا ، ومرادهم إنكار البعث والحساب المفهوم من تهديدهم بالعذاب ، ولعل قولهم : * ( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) * * ( وَمَا نَحْنُ بمُعَذَّبينَ ) * أي على ما نحن عليه من الأعمال أصرح في ذلك . * ( فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ) * * ( فَكَذَّبُوهُ ) * أي أصروا على تكذيبه عليه السلام * ( فَأَهْلَكْنَاهُمْ ) * بسببه بريح صرصر . * ( إنَّ في ذَلكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمنينَ ) * . * ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ) * * ( وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزيزُ الرَّحيمُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلينَ ) * هو اسم عجمي عند بعض والأكثرون على أنه عربي وترك صرفه لأنه اسم قبيلة ، وهو فعول من الثمد وهو الماء القليل الذي لا مادة له ومنه قيل فلان مثمود ثمدته النساء أي قطعن مادة مائة لكثرة غشيانه لهن ومثمود إذا كثر عليه السؤال حتى نفد مادة ماله أو ما يبقى في الجلد أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف . وفي " القاموس " ثمود قبيلة ويصرف وتضم الثاء وقرئ به أيضاً . وفي سبائك الذهب أنه في الأصل اسم لأبي القبيلة ثم نقل وجعل اسماً لها ، ووجه تأنيث الفعل هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى : * ( كذبت عاد ) * وكذا الكلام في قوله سبحانه : * ( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْالُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) * * ( إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطيعُون * وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه منْ أَجْر إنْ أَجْريَ إلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمينَ ) * كالكلام فيما تقدم وقوله تعالى : * ( أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَاهُنَآ ءَامِنِينَ ) * * ( أَتُتْرَكُونَ في مَا هَاهُنَا آمنينَ ) * إنكار لأن يتكروا فيما هم فيه من النعمة آمنين عن عذاب يوم عظيم فالاستفهام مثله في قوله تعالى السابق : * ( أتبنون ) * وقوله تعالى اللاحق : * ( أتأتون ) * وكأن القوم اعتقدوا ذلك فأنكره عليه السلام عليهم ، وجوز أن يكون الاستفهام للتقرير تذكيراً للنعمة في تخليته تعالى إياهم وأسباب نفعهم آمنين من العدو ونحوه واستدعاء لشكر ذلك بالإيمان . وفي " الكشف " أن هذا أوفق في هذا المقام ، وما موصولة و * ( ههنا ) * إشارة إلى المكان الحاضر القريب أي أتتركون في الذي استقر في مكانكم هذا من النعمة ، وقوله تعالى : * ( فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) * * ( في جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَنَخْل طَلْعُهَا هَضيمٌ ) * بدل من - ما ههنا - بإعادة الجار كما قال أبو البقاء . وغيره ، وفي الكلام إجمال وتفصيل نحو ما تقدم في قصة عاد . وجوز أن يكون ظرفاً لآمنين الواقع حالاً وليس بذاك ، والهضيم الداخل بعضه في بعض كأنه هضم أي شدخ . وسأل عنه نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له : المنضم بعضه إلى بعض فقال : وهل تعرف العرب ذلك ، قال : نعم أما ما سمعت قول امرئ القيس : دار لبيضاء العوارض طفلة * مهضومة الكشحين ريا المعصم